أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

287

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

596 - ولكنّني فاديت أمّي بعدما * علا الرأس كبرة ومشيب بعبدين مرضيّين لم يك فيهما * لئن عرضا للناظرين معيب « 1 » وهذا القول يردّه قول العباس رضي اللّه عنه : « فاديت نفسي وفاديت عقيلا » « 2 » ومعلوم أنه لم يعط أسيره في مقابلة نفسه ولا ولده ، وقيل : « تفدوهم بالصلح وتفادوهم بالعتق » . وقيل : « تفدوهم تعطوا » فديتهم ، وتفادوهم تطلبون من أعدائكم فدية الأسير الذي في أيديكم ، ومنه قول الشاعر : 597 - قفي فادي أسيرك إنّ قومي * وقومك لا أرى لهم اجتماعا « 2 » والظاهر أن « تفادهم » على أصله من اثنين ، وذلك أن الأسير يعطي المال والآسر يعطي الإطلاق ، وتفدوهم على بابه من غير مشاركة ، وذلك أنّ أحد الفريقين يفدي صاحبه من الآخر بمال أو غيره ، فالفعل على الحقيقة من واحد ، والفداء ما يفتدى به ، وإذا كسر أوله جاز فيه وجهان : المدّ والقصر فمن المدّ قول النابغة : 598 - مهلا فداء لك الأقوام كلّهم * وما أثمّر من مال ومن ولد « 3 » ومن القصر قوله : 599 - . . . * فدى لك من ربّ طريفي وتالدي « 4 » وإذا فتح فالقصر فقط ، ومن العرب من يكسر « فدى » مع لام الجر خاصة ، نحو : فدى لك أبي وأمي يريدون الدعاء له بذلك ، وفدى وفادى يتعدّيان لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف جر تقول : فديت أو فاديت الأسير بمال ، وهو محذوف في الآية الكريمة . قال ابن عطية : « وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج فيظهر التضادّ المقبح لفعلهم في الإخراج » يعني أنه لا يناسب من أسأتم إليه بالإخراج من داره أن تحسنوا إليه بالفداء . قوله : وَهُوَ مُحَرَّمٌ هذا موضع يحتاج لفضل نظر ، والظاهر من الوجوه المنقولة فيه أن يكون « هو » ضمير الشأن والقصة فيكون في محلّ رفع بالابتداءه ، و « محرّم » خبر مقدم وفيه ضمير قائم مقام الفاعل ، و « إخراجهم » مبتدأ ، والجملة من هذا المبتدأ والخبر في محلّ رفع خبرا لضمير الشأن ، ولم يحتج هنا إلى عائد على المبتدأ لأنّ الخبر نفس المبتدأ وعينه . وهذه الجملة مفسّرة لهذا الضمير ، وهو أحد المواضع التي يفسّر فيها المضمر بما بعده ، وقد تقدّمت ، وليس لنا من الضمائر ما يفسّر بجملة غير هذا الضمير ، ومن شرطه أن يؤتى به في مواضع التعظيم وأن يكون معمولا للابتداء أو نواسخه فقط ، وأن يفسّر بجملة مصرّح بجزئيها ، ولا يتبع بتابع من التوابع الخمسة ، ويجوز تذكيره وتأنيثه مطلقا خلافا لمن فصّل : فتذكيره باعتبار الأمر والشأن : وتأنيثه باعتبار القصة فتقول : هي زيد قائم ، ولا يثنّى ولا يجمع ولا يحذف إلا في مواضع تذكر إن شاء اللّه تعالى . والكوفيون يسمّونه ضمير المجهول وله أحكام كثيرة . الوجه الثاني : أن يكون « هو » ضمير الشأن أيضا ، و « محرّم » خبره ، و « إخراجهم » مرفوع على أنه مفعول لم يسمّ فاعله . وهذا مذهب الكوفيين وتابعهم المهدوي ، وإنما فرّوا من الوجه الأول ، لأنّ عندهم أنّ الخبر المتحمّل

--> ( 1 ) البيتان لنصيب انظر هما في لسان العرب « فدى » . ( 2 ) البيت من شواهد القرطبي ( 2 / 22 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 21 ) ، الخزانة ( 3 / 7 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 70 ) ، القرطبي ( 2 / 21 ) . ( 4 ) عجز بيت وصدره في الديوانه هكذا : تخب إلى النعمان حتى تناله * . . . انظر ديوانه ( 170 ) ، الشعراء والشعراء ( 1 / 169 ) ، البحر ( 1 / 281 ) .